ابن كثير
216
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وَقالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ قال قتادة : يقولون آلهتنا خير منه وقال قتادة : قرأ ابن مسعود رضي اللّه عنه وقالوا أآلهتنا خير أم هذا ، يعنون محمدا صلى اللّه عليه وسلم « 1 » . وقوله تبارك وتعالى : ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا أي مراء ، وهم يعلمون أنه بوارد على الآية ، لأنها لما لا يعقل ، وهي قوله تعالى : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [ الأنبياء : 98 ] ثم هي خطاب لقريش ، وهم إنما كانوا يعبدون الأصنام والأنداد ، ولم يكونوا يعبدون المسيح حتى يوردوه ، فتعين أن مقالتهم إنما كانت جدلا منهم ليسوا يعتقدون صحتها . وقد قال الإمام أحمد « 2 » رحمه اللّه تعالى : حدثنا ابن نمير ، حدثنا حجاج بن دينار عن أبي غالب عن أبي أمامة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أورثوا الجدل » ثم تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ « 3 » وقد رواه الترمذي وابن ماجة وابن جرير من حديث حجاج بن دينار به ، ثم قال الترمذي : حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديثه كذا قال وقد روي من وجه آخر عن أبي أمامة رضي اللّه عنه بزيادة ، فقال ابن أبي حاتم : حدثنا حميد بن عياش الرملي ، حدثنا مؤمل ، حدثنا حماد ، أخبرنا ابن مخزوم عن القاسم أبي عبد الرحمن الشامي عن أبي أمامة رضي اللّه عنه ، قال حماد : لا أدري رفعه أم لا ؟ قال : ما ضلت أمة بعد نبيها إلا كان أول ضلالها التكذيب بالقدر ، وما ضلت أمة بعد نبيها إلا أعطوا الجدل ، ثم قرأ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ « 4 » . وقال ابن جرير « 5 » أيضا : حدثنا أبو كريب ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن عن عبادة بن عباد عن جعفر عن القاسم عن أبي أمامة رضي اللّه عنه قال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خرج على الناس وهم يتنازعون في القرآن ، فغضب غضبا شديدا حتى كأنما صب على وجهه الخل ، ثم قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تضربوا كتاب اللّه بعضه ببعض فإنه ما ضل قوم قط إلا أوتوا الجدل » ثم تلا صلى اللّه عليه وسلم ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ وقوله تعالى : إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ يعني عيسى عليه الصلاة والسلام . ما هو إلا عبد من عباد اللّه عز وجل أنعم اللّه عليه بالنبوة والرسالة . وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ أي دلالة وحجة وبرهانا على قدرتنا على ما نشاء . وقوله عز وجل : وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ أي بدلكم مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ قال السدي : يخلفونكم فيها ، وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما وقتادة : يخلف بعضهم بعضا كما
--> ( 1 ) تفسير الطبري 11 / 202 . ( 2 ) المسند 5 / 252 ، 256 . ( 3 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 43 ، وابن ماجة في المقدمة باب 7 . ( 4 ) تفسير الطبري 11 / 203 . ( 5 ) تفسير الطبري 11 / 203 .